ابن قيم الجوزية
163
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
توبة العامة ومفاسدها عند الخاصة ثم قال صاحب المنازل : « فتوبة العامة : الاستكثار من الطاعة . وهو يدعو إلى جحود نعمة الستر والإمهال ، ورؤية الحق على اللّه . والاستغناء - الذي هو عين الجبروت - والتوثب على اللّه » . « العامة » عندهم : من عدا باب الجمع والفناء . وإن كانوا أهل سلوك وإرادة وعلم . هذا مرادهم بالعامة . ويسمونهم « أهل الفرق » ويسميهم غلاتهم « المحجوبين » . ومراده : أن توبتهم مدخولة عند الخواص منقوصة . فإن توبتهم من استكثارهم لما يأتون به من الحسنات والطاعات . أي رؤيتهم كثرتها . وذلك يتضمن ثلاث مفاسد عند الخاصة . إحداها : أن حسناتهم التي يأتون بها : سيئات بالنسبة إلى مقام الخاصة . فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين . فهم محتاجون إلى التوبة من هذه الحسنات فلغفلتهم - باستكثارها - عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها : هم جاحدون نعمة اللّه في سترها عليهم وإمهالهم ، كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهاله . لكن أهل الذنوب مقرون بستره وإمهاله . وهؤلاء جاحدون لذلك . لأنهم قد توفرت هممهم على استكثارهم من الحسنات . دون مطالعة عيب النفس والعمل ، والتفتيش على دسائسهما . وأن الحامل لهم على استكثارها رؤيتها والإعجاب بها ؛ ولو تفرغوا لتفتيشها ، ومحاسبة النفس عليها ، والتمييز بين ما فيها من الحظ والحق . لشغلهم ذلك عن استكثارها . ولأجل هذا كان من عدم الحضور والمراقبة والجمعية في العمل ، خفّ عليه واستكثر منه . فكثر في عينه ، وصار بمنزلة العادة . فإذا أخذ نفسه بتخليصها من الشوائب ، وتنقيتها من الكدر . وما في ذلك من شوك الرياء وشبرق الإعجاب ، وجمعية القلب والهم على اللّه بكليته : وجد له ثقلا كالجبال . وقلّ في عينه . ولكن إذا وجد حلاوته سهل عليه حمل أثقاله ، والقيام بأعبائه ، والتلذذ والتنعم به مع ثقله . وإذا أردت فهم هذا القدر كما ينبغي ، فانظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعقلها . وفهم ما أريد بكل آية ، وحظك من الخطاب بها ، وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها ، كيف تدرك الختمة - أو أكثرها ، أو ما قرأت منها - بسهولة وخفة . مستكثرا من القراءة . فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد ، والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به ، وتنزيل دوائه على أدواء قلبك ، والاستشفاء به . لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها . وكذلك إذا جمعت قلبك كله على ركعتين . أعطيتهما ما تقدر عليه من الحضور ، والخشوع والمراقبة : لم تكد أن تصلي غيرهما إلا بجهد . فإذا خلا القلب من ذلك عددت الركعات بلا حساب . فالاستكثار من الطاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوب منها هي توبة العامة . المفسدة الثانية : رؤية فاعلها أن له حقا على اللّه في مجازاته على تلك الحسنات بالجنات والنعيم والرضوان . ولهذا كثرت في عينه مع غفلته عن أعماله . ولو كانت أعمال الثقلين لا تستقل بدخول الجنة ولا بالنجاة من النار . وأنه لن ينجو أحد البتة من النار بعمله ، إلا بعفو اللّه ورحمته . الثالثة : استشعارهم الاستغناء عن مغفرة اللّه وعفوه ، بما يشهدون من استحقاق المغفرة ،